عبد المنعم النمر

32

علم التفسير

فأين مجال الحديث الآخر : ( حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج ) ؟ إن كان الأخذ عنهم فيما جاء به القرآن أو تحدث به الرسول فلا مانع ولا حرج . لأنه يكون مؤيدا لهما ، وإن كانا في غير حاجة لتأييد ، لكنه استئناس على كل حال تقرّ به العيون . . إلا أنه ليس موضوع كلامنا . إن كلامنا فيما سكت القرآن عن بيانه كما سبق ، فجاء أهل الكتاب فبينوه ، فقالوا لنا مثلا : لون الكلب أبيض أو أسود أو الخشب كان من الزان أو الساج مثلا ؛ فهل الحديث الذي يقول « حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج » يبيح لنا أن نمشى وراء أهل الكتاب ، عندما نفسر القرآن ، ونقول ما قالوه ، في هذا وذاك - ولو أنه لا يقدم ولا يؤخر لكنه ينسب إلى تفسير القرآن ، ويتناقله العلماء كأنه شئ ثابت . وهو لا أصل له يعتد به ؟ هل الحديث يبيح لنا أن نحكى عنهم أن الموت يأتي في صورة كبش ، والحياة في صورة فرس ، كما نسب إلى ابن عباس في بعض كتب التفسير ؟ ! هل الحديث يبيح لنا أن نفسر القرآن بما يحكونه - عن كتبهم - من أحوالهم وأعاجيبهم ، ويكون معنى ذلك تصديقهم دون سند عندنا نستند إليه إلا كلامهم ؟ . . أعتقد . . لا . ولا . . لأن الرسول قال في هذا : ( لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ) ولكن يمكن أن تسمعوا ، ولا تعلقوا ، وكونوا على حذر . لا تصدقوهم ، لأن تصديقهم خطر ، ولا تكذبوهم ، لأن ذلك ربما يؤدى إلى شقاق وخلاف ، أنتم في غنى عنه . وربما كان صحيحا فتكونون قد أنكرتم الصحيح وأنتم لا تعلمون وهذه هي منتهى العدالة في العلم وفي الدين ومنتهى الحياد . ولا يبقى عندنا - لقبول الحديثين - إلا أن نقول : معناه حدثوا عنهم فيما يتفق حديثهم فيه مع ما تعرفونه من كتابكم وسنة نبيكم . وهذا أقصى ما يمكن أن نهضمه حتى لا نرد الحديث .